أحمد عبد الله أبو زيد العاملي

107

محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق )

ثرّة في محتوياتها ، وصارت تنسخها بيدها ما استطاعت ، ثمّ توزّعها على الأقارب والمحيطين . وكان من عادتها أن تفتح مجلسها فيما بعد الظهر ، من عصر كلّ يوم غالباً ، وهو مجلس نسائي نوعي نادر مثله آنذاك ، وكانت تؤمُّه النساء المؤمنات من أجيال مختلفة . وفي يومٍ من أيّامها تلك ألقت كلمة تأبينيّة في حقّ الإمام السبط المجتبى الحسن بن علي في ذكرى شهادته ، وضمّنتها مقاصد توجيهيّة وتربويّة بنّاءة ، فكانت محاضرة مؤثّرة في نفوس الحاضرات ، ونالت استحسانهنّ ، حتّى أنّ بعضهن أبدين إعجابهنّ وأسفهنّ على أنّها لم تضبط ولم تسجّل على شريط صوتي ( كاسيت ) ، فردّت بنت الهدى بتلقائيّة وبساطة : ( لا يهمّ ، إن كان الله قد سجّلها ) . ولكنّها كانت قد سجّلت رؤوس نقاط لمحاور كلمتها تلك ، وبعض الملاحظات والأفكار الجزئيّة التي تكلّمت عنها ذلك اليوم ، وذلك في مجموعة من قصاصات الأوراق كانت أمامها أثناء الحديث . وما أن انتهت من إلقائها حتّى تبعثرت تلك القصاصات ، فشرعت تبحث عنها بحرص واهتمام ، وتجمعها وهي تكرّر : ( هذه رأس مالي ، إنّي لا أستطيع التهاون فيها ) ! في ذلك الوقت ، عُرفت واشتُهرت بأنّها مفكّرة وكاتبة ناجحة ، وكان لكتبها نجاح ورواج في كلّ الساحات العربيّة . ولذلك كانت تصلها عوائد ماليّة جيِّدة عن كتبها تلك ، غير أنّها ما كانت تدّخر منها شيئاً لنفسها ، بل كانت تصرفه جميعه في سبيل الخير والعمل الرسالي . لم نرها يوماً إلّا في هندام حسنٍ جميل ، ولكن في تواضع وبساطة . يوماً مّا لاحظت واحدةٌ من المريدات الدائمات أنّها [ أي الشهيدة ] تديم اللبس بالأخضر . فسألتها هذه : ( علوية ، أراك مذواقة وتحبّين اللون الأخضر ؛ فكلّ ما ترتدينه أخضر ) ، فتبسّمت الشهيدة وقالت : ( نعم إن هما إلّا ثوبان ليس إلّا ! ) . لقد رأيناها تهتمّ بشكل خاص بزيارة العوائل الفقيرة والمهملة والمهمّشة ، أو الذين لم يكن لهم سند من أهل أو أقارب أو امتداد اجتماعي معيّن . نتذكّر هنا ( خانم أخلاقي ) ، المرأة الإيرانيّة التي كانت زوجاً لأحد طلّاب العلم الإيرانيّين في النجف الأشرف ، وكانت حاملًا في شهرها الأخير ، ولقد عاشت في النجف بيئة غريبة عنها ، حيث لا أهل ولا أقارب ولا معارف ولا مال ، إلّا أنّها كانت على علاقة بالشهيدة بنت الهدى . وعندما حان أوان وضعها ، تعهّدتها الشهيدة ، وصارت تباشر خدمتها بنفسها . . . بقدر ما عهدت الشهيدة أمّا بارّة للأسرة ، وموجّهة حانية لهذا القطاع العريض من المجتمع ، بقدر ذلك كنت أراها ربّة بيت ناجحة ، ماهرة في إدارة شؤون المنزل ، فلم يمنعها تفرّغها للنشاط الاجتماعي والتربوي من بذل جهودها في خدمة أهل بيتها وخاصّتها . وبقدر ما كان القلم سيّالًا بين يديها ، حبيباً إلى قلبها ، كانت سكِّينة المطبخ أيضاً في كثير من الأحيان تتراقص بين أناملها . كم وكم رأيتها تقشر الباذنجان - الأكلة المفضلة لدى الشهيد وعائلته - وعندما كانت رؤوس أصابعها تتلوّن بسواد قشرة الباذنجان ، كانت تبادر إلى غسلها ، وتعود مسرعة إلى أنيسها الدائم : ( القلم ومايسطرون ) . . . . لم تكن الشهيدة ذات أفق محدود بحدود ما يدور في حيّها أو حتّى في مدينتها ، بل كانت ذات شخصيّة واعية عالمة متفتحة ، تتلقّى بوعي ، وتقرأ بنَفَس الناقد ، تعشق المطالعة ، وتتابع ما يدور حولها من أحداث ، تلاحق المستجدّات وتتفاعل معها ، سواء مستجدّات الساحة الفكريّة أو الاجتماعيّة أو السياسيّة . كان